المقريزي
196
المقفى الكبير
للشعر . وقد جئت بأبيات أنشدك إيّاها ، فإن أجزتها بمثلها ، تبت أنا من الشعر ، وإن عجزت ، تتوب أنت ! فقال له الشافعي : هيه ، يا هذا ! وكانت الأبيات [ الكامل ] : ما همّتي إلّا مقارعة العدى * خلق الزمان وهمّتي لم تخلق والناس أعينهم على سلب الفتى * لا يسألون عن الحجى والأولق « 1 » لكنّ من رزق الحجى حرم الغنى * ضدّان مفترقان أيّ تفرّق لو كان بالحيل الغنى لوجدتني * بنجوم أقطار السماء تعلّقي فقال له الشافعيّ : ألا قلت كما أقول ، ارتجالا : إنّ الذي رزق اليسار فلم يصب * أجرا ولا حمدا لغير موفّق « 2 » فالجدّ يدني كلّ أمر شاسع * والجدّ يفتح كلّ باب مغلق فإذا سمعت بأنّ مجدودا حوى * عودا فأثمر في يديه فصدّق وإذا سمعت بأنّ مجدودا أتى * ماء ليشربه فغاض فحقّق وأحقّ خلق اللّه بالهمّ امرؤ * ذو همّة يبلى بعيش ضيّق ومن الدليل على القضاء وحكمه * بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق فقال : يا أبا عبد اللّه ، لا قلت شعرا ! [ الشافعيّ عالم قريش ] وقال الخطيب أبو بكر أحمد [ بن عليّ ] بن ثابت : حدّثنا أبو سعد إسماعيل بن عليّ الأسترآباذيّ : ثنا أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحافظ : ثنا محمد بن إبراهيم : ثنا عبد الملك بن محمد - هو أبو نعيم - حدّثنا محمد بن عون : حدّثنا الحكم بن نافع [ 154 أ ] بن عيّاش عن عبد العزيز بن عبيد اللّه عن وهب بن كيسان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « اللّهمّ اهد قريشا ، فإنّ عالمها يملأ طباق الأرض علما . اللّهمّ ، كما أذقتهم عذابا فأذقهم نوالا » ، دعا بها ثلاث مرّات « 3 » . قال عبد الملك بن محمد : في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فإنّ عالمها يملأ الأرض علما ويملأ طباق الأرض » علامة بيّنة للميز : أنّ المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمّة من قريش قد ظهر علمه وانتشر في البلاد . وكتبوا تآليفه كما تكتب المصاحف واستظهروا أقواله . وهذه صفة لا تعلمها قد أحاطت إلّا بالشافعيّ إذ كان كلّ واحد من قريش من علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وإن كان علمه قد ظهر وانتشر ، فإنّه لم يبلغ مبلغا يقع تأويل هذه الرواية عليه ؛ إذ كان لكلّ واحد منهم نتف وقطع من العلم ومساءلات ، وليس في كلّ بلد من بلاد المسلمين مدرّس ومفت ومصنّف يصنّف على مذهب قرشيّ إلّا على مذهبه : فعلم أنّه يعنيه لا غيره ، وهو الذي شرح الأصول والفروع ، وازدادت على مرّ الأيّام حسنا وبيانا . [ شهادة أهل العراق للشافعيّ ] وقال الربيع بن سليمان : ناظر الشافعيّ محمّد بن الحسن فقطعه . فبلغ ذلك هارون الرشيد ، فقال : أما علم محمد بن الحسن أنّه إذا ناظر رجلا من قريش قطعه سائلا ومجيبا ،
--> ( 1 ) في الهامش حاشية : عن العاقل والأحمق . ( 2 ) في الديوان 64 : فغير . ( 3 ) حديث عالم قريش في تاريخ بغداد 2 / 61 ، وفي الحلية 6 / 9 .